السيد محمد تقي المدرسي
288
من هدى القرآن
لعبا ولهوا ، وتتحول إلى أداة للغرور وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ المتاع هو الزاد ، والغرور الانخداع ، قال تعالى : فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [ لقمان : 33 ] ، وشبَّه الدنيا بزاد الغرور ، لأنها لا تشبع عند المنخدع بها حاجة حقيقية ، إلا غروره الكاذب الباطل ، الذي ينتهي عند الموت ، فلا تبقى عنده ذرة من غرور . وإذا نظرنا إلى حديث القران عن الدنيا ، وإلى السياق الذي تقع ضمنه في كل مرة ، فإننا سوف نلاحظ ورود ذكرها في مواضع كثيرة وعلاجا لمشاكل مختلفة مما يثير فينا التساؤل : لماذا ؟ وقد يتكرر النَّصُّ الواحد في موارد متعددة ، وسياقات مختلفة ، ويجيب عن ذلك الحديث المروي عن الرسول صلى الله عليه وآله : « حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ » « 1 » فمهما وجدت انحرافا أو خطأ في حياة الإنسان ( فردا وجماعة ) فإنك تجده متصلا بحب الدنيا ، والاغترار بها . [ 21 ] وإذا تحول نظر الإنسان وقلبه إلى تلك الأهداف السامية ، فهو لا ريب سيتحول موقفه من الدنيا وسلوكه فيها ، فالأهداف عظيمة والفرصة قصيرة ، إذن لا بد من ترك اللعب واللهو إلى الجد والاجتهاد ، وترك الزينة إلى ما ينفع ، والتفاخر والتكاثر في الأموال والأولاد إلى التسابق في الخير والصالحات الباقيات . إن تلك الأهداف كفيلة بأن تجعله في ذروة الفاعلية ، وتحيل المجتمع إلى بركان متفجر من الحيوية والاجتهاد وروادا في فضيلة التسليم للقيادة الرسالية ، والاستجابة لدعوتها . سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وانبعثوا انبعاثة نحو الجنة العريضة ، بدل الدنيا ، وقاوموا جاذبية المادة طلبا لرضوان الله وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وهذا هو الأجر وهو - في الوقت ذاته - النور الذي وعد به الله تعالى الصديقين والشهداء في الآية ( 19 ) . ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ فلا يظنن أحد أنه يمن على ربه بالإيمان ، أو أنه يحصل عليه بجهده ، أو يدخل الجنة بسعيه ، إنما بفضل الله ومنه يحظى الإنسان بالإيمان ، ويدخل الجنة ، بلى ؛ إن إرادة الإنسان وسعيه ضروريان ، كما قال ربنا : وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً [ الإسراء : 19 ] ، ولكن التوفيق إلى ذلك جزء من فضله تعالى وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ وما دمنا في مقام رب عظيم ، ذي فضل عظيم ، ومغفرة عظيمة ورضوان ، فمن السفه أن نرضى لأنفسنا بالأدنى ، ونشتغل بالتوافه تاركين وراءنا ذلك الفضل العظيم .
--> ( 1 ) مستدرك الوسائل : ج 12 ، ص 40 .